فخر الدين الرازي
84
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
في هذه الآية على أن الماء إنما ينزل من السماء ، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر ، فوجب القول بحمله على ظاهره ، ومما يؤكد ما قلناه : أن جميع الآيات ناطقة بنزول المطر من السماء . قال تعالى : / وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [ الفرقان : 48 ] وقال : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [ الأنفال : 11 ] وقال : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [ النور : 43 ] فثبت أن الحق ، أنه تعالى ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الأجسام في السماء . ثم ينزلها إلى السحاب . ثم من السحاب إلى الأرض . والقول الثاني : المراد إنزال المطر من جانب السماء ماء . والقول الثالث : أنزل من السحاب ماء وسمى اللَّه تعالى السحاب سماء ، لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت ، فهذا ما قيل في هذا الباب . المسألة الثانية : نقل الواحدي في « البسيط » عن ابن عباس : يريد بالماء هاهنا المطر ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك ، والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول ، فأما أن يكون معه ملك من ملائكة السماوات ، فالقول به مشكل واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : قوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فيه أبحاث : البحث الأول : ظاهر قوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ يدل على أنه تعالى إنما أخرج النبات بواسطة الماء ، وذلك يوجب القول بالطبع والمتكلمون ينكرونه ، وقد بالغنا في تحقيق هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ * [ البقرة : 22 ] فلا فائدة في الإعادة . البحث الثاني : قال الفراء : قوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ظاهره يقتضي أن يكون لكل شيء نبات . وليس الأمر كذلك ، فكان المراد فأخرجنا به نبات كل شيء له نبات ، فإذا كان كذلك ، فالذي لا نبات له لا يكون داخلا فيه . البحث الثالث : قوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ بعد قوله : أَنْزَلَ يسمى التفاتا . ويعد ذلك من الفضاحة . واعلم أن أصحاب العربية ادعوا أن ذلك يعد من الفصاحة . وما بينوا أنه من أي الوجوه يعد من هذا الباب ؟ وأما نحن فقد أطنبنا فيه في تفسير قوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ يونس : 22 ] فلا فائدة في الإعادة . والبحث الرابع : قوله : فَأَخْرَجْنا صيغة الجمع . واللَّه واحد فرد لا شريك له ، إلا أن الملك العظيم إذا كنى عن نفسه ، فإنما يكنى بصيغة الجمع ، فكذلك هاهنا . ونظيره قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ * [ الدخان : 3 ] إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً [ نوح : 1 ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [ الحجر : 9 ] . أما قوله : فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً فقال الزجاج : معنى خضر ، كمعنى أخضر ، يقال أخضر / فهو أخضر وخضر ، مثل أعور فهو أعور وعور . وقال الليث : الخضر في كتاب اللَّه هو الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضر ، وأقول إنه تعالى حصر النبت في الآية المتقدمة في قسمين : حيث قال : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى فالذي ينبت من الحب هو الزرع ، والذي ينبت من النوى هو الشجر فاعتبر هذه القسمة أيضا في هذه الآية فابتدأ بذكر الزرع ، وهو المراد بقوله : فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً وهو الزرع ، كما رويناه عن الليث . وقال ابن عباس :